أقنعة الديمقراطية وفواتير واشنطن” بين صراع النفوذ، ولوبيات الضغط، وهندسة الأجندات
سلسلة معركة الوعي
مقدمة
في الوقت الذي تتصاعد فيه المأساة الإنسانية وتتسع رقعة الانتهاكات التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع الممولة إماراتياً في السودان، تشتعل في الخفاء والعلن حرب أخرى لا تقل شراسة وهي حرب الأجندات، واستئجار النفوذ الدولي، والدبلوماسية الخلفية.
لقد كشفت إفادات الخبير في الشؤون الأفريقية كاميرون هدسون وحديثه الموثق عن مبالغ تصل إلى 80 ألف دولار شهرياً لتسخير عقود الضغط في واشنطن – كشفت عن عاصفة من الأسئلة الجوهرية وهي : من يدفع الفاتورة؟ ولحساب من يُشترى النفوذ؟ وكيف تُسخر مكاتب العلاقات العامة الغربية لتغطية الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع والتي ترتقي الى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانبة، وإعادة تدوير تحالفات سياسية ترفع شعارات الاستقلالية والشفافية؟
*أولاً: اقتصاد الضغط السياسي (Lobbying) وصناعة النفوذ في واشنطن*:
تتمدد العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن في إدارة ما يُعرف بـ “صناعة التأثير التأطيري”، حيث تتشابك عدة أبعاد مالية وتنظيمية منها:
▪︎ *شبكات العلاقات العامة وعقود FARA:* حيث يتم استخدام قوانين تسجيل الجماعات الأجنبية لضخ أموال ضخمة واستئجار شركات العلاقات العامة ومكاتب الضغط، بهدف كتابة أوراق وتنظيم جلسات الإستماع داخل مراكز القرار الأمريكي للتأثير المباشر على صناع القرار.
▪︎ *صناعة الخطاب وتضليل الرأي العام الغربي:* تعمل هذه الشركات على هندسة مصطلحات سياسية تُخفف من حدة جرائم مليشيا الدعم السريع، وتُصور الحرب وكأنها نزاع بين طرفين متساوين، مما يُفرغ الانتهاكات بحق المدنيين من محتواها القانوني والأخلاقي.
▪︎ *تمويل اللوجستيات والجولات الماكوكية:* تُغطي هذه العقود نفقات الرحلات الفاخرة، والإقامة في الفنادق، وتنظيم المؤتمرات المغلقة لقيادات التحالفات المدنية”صمود وتقدم” تحت شعارات برٌاقة تزعم دعم التحول الديمقراطي، بينما تخضع العملية برمتها لإدارة وإشراف جهات إقليمية ممولة.
*ثانياً: أبعاد التمويل الأجنبي وهندسة القرار السياسي:*
يتجاوز التمويل حدود الدعم اللوجستي ليتحول إلى أداة صارمة للتحكم في القرار والتوجه السياسي عبر :
▪︎ *شراء الولاءات وتدوير النخب:* حيث يُسهم التمويل المباشر في توفير التغطية المالية والإعلامية المستمرة لإبقاء واجهات وسياسيين محددين في صدارة المشهد الدولي، باعتبارهم الممثل الحصري والوحيد للقوى المدنية.
▪︎ *غسيل السمعة الإقليمية:* تُستغل هذه التحالفات كغطاء مدني وسياسي لتبرئة ساحة أبوظبي وتخفيف الضغط الدولي عليها، خاصة عقب التقارير الدولية التي وثقت تورطها في تزويد ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والعتاد عبر جسور جوية وبرية.
▪︎ *ارتهان الإرادة الوطنية:* يؤدي الاعتماد الكلي على التمويل الخارجي إلى سلب استقلالية القرار السياسي، حيث تصبح تحركات هذه الوفود محكومة برغبات الجهات المانحة بدلاً من الاستجابة لمطالب الشارع السوداني.
*ثالثاً: تفاصيل وأبعاد المساءلة للتحالفات المدنية*:
تتزايد علامات الاستفهام والمآخذ الوطنية والأخلاقية تجاه تحركات قيادات تحالف “صمود” وتنسيقية “تقدم” وذلك
لإنفصالهم التام عن المأساة الإنسانية حيث تنشغل قادة هذه التحالفات انشغالاً كاملاً بعقد الإجتماعات والجولات الخارجية، مقابل تجاهلٍ شبه تام لمعاناة النزوح والتشرد والجوع التي يكابدها المواطن السوداني يومياً بسبب تمرد مليشيا الدعم السريع للإستيلاء على السلطة بقوة السلاح.
▪︎ *الغموض والهروب الأخلاقي:* تعمدت هذه التحالفات المدنية عن تسمية الجهات المتورطة في الانتهاكات الميدانية بأسمائها الصريحة، وتجنبت توصيف الجرائم وفق القانون الدولي لحماية المصالح والعلاقات مع الأطراف الداعمة.
▪︎ *ترويج الشائعات والروايات المضللة*:وذلك عبر الانخراط المباشر في تسويق ادعاءات زائفة مثل فرية استخدام السلاح الكيماوي والاخوان المسلمين في محاولة لشيطنة الجيش القومي وتشويه دوره في حماية تراب الوطن وسيادته.
*رابعاً: تقاطع الخطاب الإعلامي، والآليات الدولية*:
يكشف رصد المسارات المالية والخطاب الإعلامي لهذه التحالفات عن اتساع الفجوة بين ادعاءات هذه الكيانات والتقارير الدولية الموثقة ،حيث أظهرت أدوات تتبع المعاملات المالية وقواعد بيانات العقود الدولية أن التمويل الموجه لعمليات الضغط والإعلام لا يمر عبر قنوات شفافة، بل عبر شبكات ومؤسسات وسيطة تُغطي النفقات الحقيقية للوفود، مما يجعل عملية الإفصاح المالي شبه معدومة ويضع الشفافية المزعومة للتحالفات على المحك.
فيما يعتمد الخطاب الإعلامي للتحالفات المدنية على صيغ فضفاضة تتجنب الإدانة المباشرة لشبكات الدعم الإقليمي لـ ” مليشيا الدعم السريع”، في حين تصدر لجان التقصي الأممية وتقارير خبراء مجلس الأمن وثائق دامغة بالصور والأرقام تُثبت استمرار تدفق السلاح والعتاد عبر جسور جوية وبرية تشرف عليها أبوظبي.
كما تُسخر هذه الوفود مشاركتها في الفعاليات الدولية والمنظمات الأممية لتوجيه الأنظار نحو مطالب سياسية خاصة بدلاً من تسليط الضوء على انتهاكات القانون الدولي مما يحول هذه الآليات من أدوات لتحقيق العدالة وحماية المدنيين إلى ساحات للمساومات والتغطية على الطرف الرئيسي والمسؤول عن هذه الإنتهاكات .
*خامساً: خلاصة معركة الوعي الوطني*:
إن لحظات الفرز التاريخي تتطلب موقفاً حازماً لكشف أبعاد الارتهان السياسي ومخاطره على مستقبل الدولة عبر:
▪︎ تعرية الشعارات البراقة: إذ لم تعد دعاوى “المدنية” و”الديمقراطية” قادرة على حجب حقائق التمويل الأجنبي المقدم لخدمة مصالح خارجية متعارضة مع السيادة الوطنية.
▪︎ استعادة الإرادة والسيادة: إذ تتطلب حماية السودان ومؤسساته الوعي التام بشبكات المصالح وشركات العلاقات العامة، والتأكيد على أن الشرعية الوطنية تُكتسب من الوقوف مع الشعب ومؤسساته لا من صوالين العواصم الغربية.
وإن الحل المستدام للأزمة السودانية لن يُصنع في مكاتب العلاقات العامة بواشنطن، ولا عبر الصفقات الممولة من المحاور الإقليمية، بل بتمسك الشعب السوداني بسيادته ومؤسساته الوطنية، وكشف كل من يتاجر بمعاناته في سوق النفوذ الدولي.
*الحصار والإحراج*
على طول تحرك وفود صمود العميلة كان أبناء السودان في الخارج بالمرصاد حيث لاحقوهم في المنابر وفي الشوارع واحرجوهم بالأسئلة الصعبة في امريكا وكندا وفي اوربا وقطعوا عليهم الطرقات بالهتاف المؤيد للجيش الواحد والشعب الواحد والرافض للمليشيا ووكلائها في الامارات وتشاد وإثيوبيا وغيرها