سلسلة الوعي …صناعة الذريعة وغيبوبة الأدلة…..ملف ‘الكيماوي’ بين الإبتزاز السياسي والإلتزام الدولي للسودان-تقرير الحقيقة
سلسلة الوعي …صناعة الذريعة وغيبوبة الأدلة…..ملف ‘الكيماوي’ بين الإبتزاز السياسي والإلتزام الدولي للسودان-تقرير الحقيقة:
*تمهيد:*
لم تكن الإتهامات الأمريكية الأخيرة للجيش السوداني بإستخدام أسلحة كيميائية شذوذاً عن السلوك السياسي لواشنطن في المنطقة، بل جاءت امتداداً لهندسة سياسية متكررة تُوظف الملفات الإنسانية والتسليحية الشائكة لتحقيق مآرب جيوستراتيجية.
تأتي هذه الحملة المُسيسة في وقت يخوض فيه السودان حرب وجود ضد ميليشيا الدعم السريع الإرهابية، وفي ظل صمود ميداني ودبلوماسي يستهدف استعادة سيادة الدولة، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول المحرك الحقيقي وراء هذه الضغوط الأمريكية المتزايدة.
*أولاً: التهافت الفني والتناقض الدبلوماسي (غيبوبة الأدلة):*
يكشف الفحص الدقيق للموقف الدبلوماسي السوداني عن هشاشة البناء الذي استندت عليه الإدارة الأمريكية، وللدليل على ذلك انه و إمتثالاً لالتزاماته الدولية بصفته عضواً في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، أبدى السودان مرونة فائقة وشكل لجنة وطنية رافقت فريقاً أمريكياً ميدانياً إلى الأماكن المزعومة وسحبت عينات من التربة.
*عجز واشنطن عن تقديم البيّنة:*
على مدار عام كامل من التواصل الدبلوماسي المستمر، فشلت الخارجية الأمريكية في إبراز مستند واحد، أو تقرير فني، أو دليل مادي يثبت مزاعمها، سواء لسفارة السودان بفرجينيا، أو لمقر المنظمة في لاهاي.
*القفز فوق الآليات:*
بدلاً من العودة إلى الآليات الفنية الأممية، لجأت واشنطن مباشرة إلى فرض عقوبات أحادية، مما يؤكد أن الاستهداف سياسي بامتياز ولا يمت لرقابة الأسلحة بصلة.
*ثانياً: سلاح الذاكرة التاريخية…. عقدة “الشفاء” وكذبة “العراق”:*
حين تقف الخرطوم أمام مجلس الأمن لتذكر العالم بسجل واشنطن الإستخباري المضلل، فهي لا تدافع فحسب، بل تُعرّي منهجية أمريكية ثابته قائمة على صنع الذرائع منها:
▪︎ فاجعة مصنع الشفاء (1998): حيث تم قصف تدميري لمنشأة دوائية سودانية حيوية بذريعة تصنيع غاز الأعصاب، لتنتهي القصة بتسوية مالية سرية صامتة بعد ثبوت كذب المعلومات.
▪︎ غزو العراق (2003):
ذلك العرض التلفزيوني الشهير لأنابيب الأسلحة المزعومة في مجلس الأمن، والذي أدى لتدمير دولة بأكملها، قبل أن يعترف الساسة الأمريكيون بـ “خطأ التقدير الاستخباري”.
إن إعادة استدعاء هذه المحطات يؤكد للمجتمع الدولي أن الاتهام الحالي هو نسخة مكررة من سيناريو “صناعة الذريعة” لتبرير التدخلات أو الضغط على القرار السيادي.
*ثالثاً: المتاهة الدبلوماسية وسلوك “الراعى غير الحيادي”:*
تتجلى ازدواجية التعاطي الأمريكي في ملف الوساطة والسلام عبر محاور أساسيةتجاهل الرؤية الوطنية في وقت تزعم فيه واشنطن السعي لحل الأزمة (عبر مبعوثين مثل مسعد بولس)، تُقدم الخرطوم وثائق رسمية وجداول معدلة لاستعادة السلام والانسحاب، لتصدم بتجاهل الوسيط لقراءتها أو التعاطي معها بجدية.
*التعامي عن المحرك الحقيقي:* بينما تشتعل الجبهات في الفاشر والأبيض، ويواجه آلاف المدنيين حصاراً وإعدامات عرقية وكوارث صحية (كالكوليرا)، يتغاضى الخطاب الرسمي الأمريكي عن الإمداد العسكري والمالي المستمر للميليشيا عبر أطراف إقليمية (كالإمارات)، وهو ما كشفت عنه وثائق وتقارير دولية صحفية (مثل مقالات نيكولاس كريستوف الأخير في نيويورك تايمز).
*رابعاً: الأهداف الحقيقية لما وراء “الكيماوي”*
تتجاوز الحملة الأمريكية الأخيرة مجرد الحرص على تطبيق الاتفاقيات الدولية، لتكشف عن أهداف جيوستراتيجية وسياسية تُدار عبر أروقة الضغط الدبلوماسي، *وتتلخص في المحاور التالية:*
▪︎ إضعاف المؤسسة العسكرية وكسر إرادتها.
▪︎ تُسهم اتهامات استخدام الأسلحة المحظورة وما يتبعها من عقوبات أحادية في محاولة تقييد حركة الجيش السوداني، وخلط الأوراق الميدانية لإحداث توازن قسري يُعيد تشكيل المشهد لصالح الميليشيا المتمردة.
▪︎ ابتزاز القرار السيادي والفرض القسري للتسويات حيث يُستخدم ملف “الكيماوي” ككارت ضغط دبلوماسي ووسيلة لوضع القيادة السودانية تحت التهديد المستمر بالعزل الدولي، بهدف إرغامها على تقديم تنازليات سياسية والتوقيع على مسارات تسوية لا تخدم الأمن القومي.
▪︎ التعمية وصرف الأنظار عن الجرائم الكبرى حيث تعمل هذه البروباغاندة المُفتعلة على إزاحة الضوء الإعلامي والدولي عن الجرائم والانتهاكات المروعة التي ترتكبها الميليشيا ضد المدنيين، لا سيما حصار المدن ومجازر الفاشر والأبيض، وتحويل النقاش الأممي نحو اتهامات وهمية لا سند لها.
*الخلاصة:*
إن قراءة ما وراء الاتهامات الأمريكية للسودان بتوظيف الأسلحة الكيميائية تكشف عن استراتيجية دبلوماسية مكشوفة تعتمد على “صناعة الذريعة” لإعادة رسم معالم المشهد السياسي والميداني.
فالموقف السوداني الصلب داخل مجلس الأمن ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) لم يكتفِ بنفي الاتهامات، بل أثبت عجز واشنطن التام عن تقديم أي دليل مادي، مُعرّياً القفز الأمريكي فوق الأطر الدولية للجوء إلى العقوبات الأحادية.
وتُعيد هذه الحملة الذهنيةَ الدوليةَ إلى سوابق واشنطن الاستخباراتية المضللة — بدءاً من تدمير مصنع الشفاء بالخرطوم وصولاً إلى كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق لتؤكد أن ملف “الكيماوي” ليس إلا أداة ابتزاز سياسي تسعى لتغطية الدعم الإقليمي للميليشيا، وصرف الأنظار عن الأزمة الإنسانية الشديدة في مدن مثل الفاشر والأبيض، ومحاولة النيل من سيادة الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية.