صحيفة كريستيان ساينس مونيتور:الإختطاف سلاح حرب في دارفور
:
تسلّط الصحيفة الضوء على أحد الجرائم في مسار الحرب الدائرة في السودان، حيث لم يعد القتل والتشريد والتجويع وحدها أسلحة المليشيا، بل أضيف إليها سلاح الاختطاف الممنهج. يروي المقال شهادات مروعة من قلب دارفور عن مدنيين يتم اقتيادهم من الأسواق أو مواقف الحافلات أو حتى من منازلهم، ليجدوا أنفسهم محتجزين في ظروف مهينة، وذووهم تحت تهديد دفع فديات بمبالغ خيالية تفوق مئات المرات دخل الأسرة السنوي.
هذا النمط الجديد، كما يوثّق المقال، لا يهدف فقط إلى جمع الأموال لتمويل الحرب، بل يحمل أيضًا بعدًا عرقيًا واضحًا، مستعيدًا ممارسات مليشيا الجنجويد في حملات الإبادة الجماعية قبل عقدين. ومع استمرار سيطرة مليشيا الدعم السريع على أجزاء واسعة من دارفور، يصف ناشطون ومحامون هذه الجرائم بأنها جزء من حملة تطهير عرقي ممنهجة، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بينما يعيش المدنيون حالة من الرعب الدائم وانعدام الأمل في الحماية أو العدالة.
الجزء 1/3
في دارفور، السودان، أصبح الاختطاف سلاحًا من أسلحة الحرب
في صباح يوم 5 فبراير، خرج عبد العزيز سليمان من منزله لشراء بعض المواد الغذائية من السوق في مسقط رأسه، مدينة الضعين بشرق دارفور.
لكنه لم يعد أبدًا.
آخر ما سمعته عائلته منه كان في 11 أبريل، عندما اتصل رجال يزعمون أنهم اختطفوه، ووجهوا إنذارًا نهائيًا. كان أمام العائلة 48 ساعة لدفع 259 مليون جنيه سوداني (حوالي 430 ألف دولار) – أي ما يقرب من 350 ضعف دخلهم السنوي مجتمعين – وإلا فسيتم قتل عبد العزيز سليمان.
لم يكن لدى العائلة المبلغ، والآن تقول زوجته، حياة سليمان عيسى، وهي تمسح دموعها بينما تجلس في منزلها المتواضع محاطة بأطفالها الخمسة: «لا أعرف إن كان حيًا أم ميتًا».
معاناة هذه العائلة تجسد نمطًا مقلقًا يتكرر في جميع أنحاء دارفور، تلك المنطقة الواقعة غرب السودان، حيث أصبح الاختطاف الممنهج سمة وحشية من سمات الحرب الأهلية المستمرة. فمع دخول الصراع بين مليشيا الدعم السريع شبه العسكرية والجيش الوطني عامه الثالث، أصبحت المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا بؤرًا لعمليات الخطف.
الجزء 2/3
نظام من الخوف والربح
يقول عبد القادر سليمان، شقيق عبد العزيز، إن الخاطفين لم يعرّفوا أنفسهم على أنهم من مليشيا الدعم السريع، لكنهم أبلغوا العائلة أن الفدية هي «تعويض» عن خسائر المليشيا في معركة حديثة.
لم يتمكن كريستيان ساينس مونيتور «المونيتور» من التحقق بشكل مستقل من رواية العائلة، ولا من غيرها من الروايات الواردة في هذا التقرير، لكن هذه القصص تتفق مع حالات مشابهة وثقها ناشطون محليون ومنظمات حقوقية، بالإضافة إلى منشورات لعائلات ضحايا آخرين على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوحي الطبيعة المتكررة لهذه الحالات بأن المليشيا – التي سبق اتهامها بارتكاب أعمال عنف ذات طابع عرقي وجرائم حرب أخرى – تموّل عملياتها جزئيًا من خلال احتجاز المدنيين مقابل فدية. وتنفي المليشيا هذا الادعاء.
يقول ضرار آدم ضرار، المؤسس المشارك لشبكة حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية (HAND) في دارفور: «حوّلت مليشيا الدعم السريع عمليات الخطف إلى تجارة».
ومع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الثالث، اضطر نحو 15 مليون شخص – أي ما يقارب ثلث سكان البلاد – إلى الفرار من منازلهم.
وفي دارفور، يواجه من تبقى القصف والعنف العرقي والجوع، والآن أصبح الاختطاف مصدرًا جديدًا للرعب.
ويقول خبراء إن المليشيا تستهدف بشكل خاص غير العرب لعمليات الخطف، وهو ما يذكّر بالفظائع التي أدت إلى نشأة هذه الجماعة قبل عقدين من الزمن، عندما أطلقت الحكومة السودانية المليشيات العربية المعروفة بالجنجويد ضد المجتمعات غير العربية في دارفور. وقد قتلت تلك المليشيات مئات الآلاف وشرّدت الملايين، فيما وصفته الولايات المتحدة ودول أخرى بأنه إبادة جماعية. ولاحقًا جرى دمج هذه المليشيات رسميًا في قوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».
واليوم، ومع سيطرة مليشيا الدعم السريع مجددًا على دارفور، يرى العديد من المحللين والناشطين أن عمليات الخطف لا تهدف فقط إلى تمويل الحرب، بل تساهم أيضًا في حملة غير رسمية للتطهير العرقي.
يقول علي منصور، الصحفي والمحلل السياسي من دارفور: «مع كون معظم الضحايا من مجموعات عرقية أفريقية محددة، فإن الأمر ليس مجرد فدية، بل حرب ديموغرافية».
الجزء 3/3
«مطاردون ومنسيون»
في منتصف ديسمبر 2024، كان عامل المناجم عثمان عبد الجبار في إجازة في مسقط رأسه نيالا، عندما قال إن سبعة رجال يرتدون زي مليشيا الدعم السريع خطفوه من موقف حافلات. وتم تعصيب عينيه بقميصه، ثم أُلقي به في مركبة نقلته إلى مركز احتجاز مؤقت.
كان المبنى شقة قذرة، حيث وُزع نحو 20 رهينة على خمس غرف. وأخبره بعضهم أنهم محتجزون منذ أكثر من شهرين. ويقول عبد الجبار إن الظروف كانت سيئة للغاية، إذ لم يكن هناك سوى وجبة واحدة في اليوم، وعبوة مياه بلاستيكية في الغرفة تستخدم كمرحاض جماعي.
كما لاحظ عبد الجبار أن إحدى الغرف في الشقة كانت تستخدم كمركز اتصالات، حيث كان الخاطفون يتمتعون بخدمة إنترنت وهاتف جيدة للتواصل مع عائلات الضحايا، على عكس الانقطاعات المتعمدة للاتصالات التي تنفذها مليشيا الدعم السريع في أجزاء واسعة من دارفور.
في مساء اليوم الذي جُلب فيه عبد الجبار إلى المركز، طلب المقاتلون 5 ملايين جنيه سوداني (حوالي 8,300 دولار) مقابل إطلاق سراحه. وبعد مفاوضات محمومة، جمعت عائلته 2 مليون جنيه، وأُفرج عنه في اليوم التالي.
يقول عبد الجبار بصوت خافت: «أخبرني رهائن آخرون أن من لم يدفع يتم قتله».
وفي مقابلة، نفى المتحدث باسم مليشيا الدعم السريع، إبراهيم مخير، أن تكون الجماعة تحتجز أي مدنيين، وأصر على أن الأمن في دارفور يتحسن.
لكن الضحايا يقولون غير ذلك. ففي الضعين، يقول صيدلي – طلب عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية – إنه احتُجز لأكثر من شهر في ظروف غير إنسانية على يد المليشيا حتى دفعت عائلته فدية قدرها 45 مليون جنيه (حوالي 75,000 دولار).
وفي الوقت نفسه، انتشر مؤخرًا مقطع فيديو يُظهر رجلاً مختطفًا في مدينة زالنجي بدارفور يتعرض للتعذيب على يد مليشيا محلية متحالفة مع الدعم السريع، وطُلب من عائلته دفع 10 ملايين جنيه. وفي مقطع آخر متداول، يُضرب رجل بينما يطالب خاطفوه بفدية خيالية قدرها 30 مليار جنيه (50 مليون دولار).
يقول منصور، المحلل السياسي: «هذه ليست حالات فردية، بل أمر منظم ومنهجي، ويعكس انهيار الدولة بالكامل».
ويؤكد عبد الباسط الحاج، المحامي السوداني المتخصص في الجرائم المرتكبة أثناء نزاع دارفور، أن «هذه الاعتقالات غير القانونية وعمليات الابتزاز، عندما تُمارس بشكل منهجي أثناء النزاعات، ترقى إلى جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية».
ومع عدم وجود مؤشرات على قرب انتهاء الحرب، يأمل ضرار من شبكة HAND أن يؤدي الضغط الدولي إلى وقف هذه الجرائم.
ويقول: «نحن بحاجة ماسة إلى استجابة عالمية. المدنيون في دارفور يُطاردون ويُتركون للنسيان».