هيومن رايتس ووتش تسلّط الضوء على مأساة الفاشر المحاصرة من قبل مليشيا الدعم السريع
ترجمةد/يوسف عز الدين:
هذا البيان الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في نيويورك، والذي يسلّط الضوء على المأساة الإنسانية في غرب السودان، وبالأخص مدينة الفاشر التي تعيش منذ أكثر من عام تحت حصار خانق تفرضه مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) المدعومة من الإمارات.
البيان يوجّه نداءً عاجلاً إلى مجلس الأمن الدولي بالتحرك الفوري لحماية المدنيين الذين يواجهون خطر التجويع والهجمات العشوائية. المنظمة توثق قصصاً صادمة من الميدان: عائلات اضطرت لأكل علف الحيوانات بعد انقطاع الغذاء، ومطابخ خيرية أُغلقت بسبب الحصار، وأمهات يروين كيف خطفت المليشيا بناتهن المراهقات عند نقاط التفتيش قبل أن يُعدن إليهن وقد نزفن دماً بعد تعرضهن للاغتصاب. كما وثّق البيان شهادات لمدنيين اضطروا لحفر خنادق للاختباء من القصف المستمر، وآخرين شاهدوا بأعينهم رجالاً يُقتلون بالرصاص أثناء محاولتهم الفرار من الفاشر.
المنظمة تشير أيضاً إلى أن الطريق إلى طويلة، حيث لجأ مئات الآلاف، تحوّل إلى سلسلة من الانتهاكات، إذ نهبت قوات الدعم السريع وحلفاؤها ممتلكات الفارين وطعامهم وماءهم، فيما تعرضت نساء وفتيات للاغتصاب عند الحواجز. ويذكر البيان أن الهجمات لم تقتصر على دارفور، بل امتدت إلى إقليم كردفان، حيث قُتل مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء حوامل، في هجمات واسعة النطاق.
وتطالب هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن بتجديد وتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل السودان كله، وفرض عقوبات على قادة المليشيا والأطراف المتورطة، مع التأكيد على أن استمرار الصمت الدولي وعدم اتخاذ إجراءات ملموسة يفاقم من الكارثة الإنسانية.
السودان: على الأمم المتحدة التحرك لحماية المدنيين الجائعين
يجب على مجلس الأمن التدخل لوقف الهجمات على المدنيين والسماح بدخول المساعدات
(نيويورك) – قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يتحركوا بشكل عاجل لحماية المدنيين في الأجزاء الغربية من السودان من الهجمات غير المشروعة والمجاعة.
يجب على مجلس الأمن الضغط على مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) لوقف هجماتها غير القانونية ضد المدنيين، بما في ذلك مخيمات النازحين، في أجزاء من غرب السودان، كما يجب على الطرفين المتحاربين التوقف عن عرقلة المساعدات الإنسانية. كما ينبغي لمجلس الأمن تجديد وتوسيع نطاق حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله، وفرض عقوبات على قادة الأطراف المتحاربة، وخاصة مليشيا الدعم السريع (الجنجويد)، بسبب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. وقد حذر مسؤولون أمميون من أن المدنيين المحاصرين وسط القتال بين الأطراف المتحاربة – مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) والقوات المسلحة السودانية وحلفاؤهما في أجزاء من شمال دارفور وإقليم كردفان – يواجهون المجاعة.
وقالت ليتيسيا بادر، نائبة مديرة قسم إفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “على مجلس الأمن أن يواجه مليشيا الدعم السريع بشأن حصارها المستمر وهجماتها المتعمدة والعشوائية ضد المدنيين، وأن يضغط على الطرفين المتحاربين لوقف عرقلة وصول المساعدات. ينبغي لأعضاء المجلس توسيع نطاق حظر السلاح وفرض عقوبات محددة على قادة الأطراف المتحاربة، مع وضع جدول زمني واضح للتحرك.”
في 11 أغسطس 2025، هاجمت مليشيا الدعم السريع مرة أخرى مخيمًا للنازحين في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، والتي تحاصرها منذ أكثر من عام. وقال مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن المليشيا قتلت ما لا يقل عن 57 مدنيًا في ذلك اليوم و32 آخرين على الأقل في هجمات بين 16 و20 أغسطس. معظم القتلى في 11 أغسطس كانوا داخل مخيم أبو شوك للنازحين، وهو أحد آخر الجيوب المدنية المتبقية.
في 13 أغسطس، أصدر مجلس الأمن بيانًا يطالب بإنهاء الحصار والسماح بدخول المساعدات، لكنه لم يلتزم باتخاذ إجراءات ملموسة ضد الأطراف التي تواصل ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
في أوائل أغسطس، حذّر برنامج الأغذية العالمي من أنه لم يتمكن من دخول الفاشر منذ أكثر من عام، وأن التحويلات النقدية لم تعد تلبي احتياجات السكان بسبب الزيادات الضخمة في الأسعار الناتجة عن الحصار. وأخبر مدنيون في المدينة هيومن رايتس ووتش في منتصف أغسطس أنهم لجأوا إلى أكل علف الحيوانات. وأُجبرت عدة مطابخ خيرية – التي كانت شريان حياة لكثيرين – على الإغلاق خلال الشهر الماضي. وفي 20 أغسطس، استهدفت طائرة مسيّرة قافلة لبرنامج الأغذية العالمي متجهة إلى مليط، على بعد 60 كيلومترًا شمال الفاشر، ودمرت ثلاث شاحنات.
منذ أبريل 2024، تفرض مليشيا الدعم السريع حصارًا على الفاشر، مانعةً دخول الإمدادات ومنظمات الإغاثة الإنسانية. وبموجب القانون الدولي الإنساني، لا يُحظر فرض حصار على القوات المعارضة، لكن لا يجوز أن يتضمن الحصار هجمات متعمدة على المدنيين أو تجويعهم، وكلاهما يُعد جريمة حرب. وقد فشلت المليشيا في الالتزام بالمبدأ الأساسي المتمثل في التمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والعسكرية في جميع الأوقات.
كما أن القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة المتحالفة معها، المتمركزة في أجزاء مختلفة من الفاشر، بما في ذلك داخل وحول مخيم أبو شوك، ملزمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية المدنيين، بما في ذلك تجنب وضع أهداف عسكرية بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان.
في منتصف أبريل، نفذت مليشيا الدعم السريع هجومًا واسع النطاق على مخيم زمزم للنازحين جنوب الفاشر. قتلت القوات بشكل عشوائي وأعدمت مدنيين، بمن فيهم عاملون صحيون، وأحرقت مباني مدنية، واعتقلت مدنيين، ونهبت بشكل واسع، ما أجبر مئات الآلاف على الفرار.
وفي يوليو، ذكرت منظمة أطباء بلا حدود أن المدنيين في الفاشر وزمزم يواجهون “أنماطًا منهجية من العنف تشمل النهب، القتل الجماعي، العنف الجنسي، الاختطاف، التجويع، والهجمات على الأسواق والمرافق الصحية والبنية التحتية المدنية الأخرى” منذ أبريل 2024. ووجدت المنظمة أن المليشيا وحلفاءها استهدفوا بشكل منهجي المجتمعات غير العربية، خاصة من قبيلة الزغاوة.
وقال مدنيون فروا من هذه الهجمات لهيومن رايتس ووتش إنهم اضطروا لحفر خنادق لحماية أنفسهم من القصف المستمر. وأضافوا أن الأطراف المتحاربة أساءت إليهم أكثر أثناء فرارهم. وقال شاب فر من الفاشر في 11 أغسطس إنه شاهد رجلين يُقتلان بالرصاص وثلاثة آخرين يُصابون أثناء محاولتهم الهروب.
وقال آخرون إنهم عند طريق طويلة، على بعد 60 كيلومترًا حيث فر مئات الآلاف، نهبت قوات المليشيا المتحالفة مع الدعم السريع متاعهم وطعامهم ووسائل تنقلهم، وذكر عدة أشخاص أن عناصر في نقاط التفتيش اغتصبوا نساءً وفتيات.
قالت امرأة تبلغ 45 عامًا، فرت مع أطفالها الأحد عشر في مايو، إن ابنتيها (13 و15 عامًا) كانتا ضمن 30 امرأة وفتاة أخذتهن المليشيا عند نقطة تفتيش في منطقة خاضعة لسيطرة الدعم السريع. وأضافت: “عندما أعادوهن، كانت إحداهن تنزف. تعرضن للاغتصاب بالقرب منا، ورأينا ذلك. أطلقوا النار على جاري فلم أستطع التدخل.”
في 12 أغسطس، حذّر منتدى المنظمات الدولية غير الحكومية في السودان من أنه “لا يوجد ممر آمن للخروج من المدينة، مع إغلاق الطرق ومواجهة من يحاولون الفرار للهجمات والجباية في نقاط التفتيش والتمييز المجتمعي والموت.”
وقال متطوع محلي فر من الفاشر في 11 أغسطس: “الأهم هو إيجاد طرق لإجلاء الناس من هذا المكان. ثم ضمان إدخال الغذاء والإمدادات الطبية.”
كما تدور معارك عنيفة في إقليم كردفان، حيث أدت غارات جوية للقوات المسلحة السودانية إلى مقتل مدنيين واستهداف بنى تحتية مدنية، بما في ذلك مواقع تؤوي نازحين. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومنظمات أخرى بهجوم واسع النطاق لمليشيا الدعم السريع على قرى في شمال كردفان منتصف يوليو، أسفر عن مقتل “ما لا يقل عن 300 شخص، بينهم أطفال ونساء حوامل.” وتعرض المستجيبون المحليون للمضايقة والاعتقال من كلا الطرفين.
وفي يوليو، حذّرت “المرحلة المتكاملة لتصنيف الأمن الغذائي” – الجهة الرئيسية لمراقبة نقص الغذاء – من أن القتال في هذه المناطق يتسبب في نقص غذائي حاد مستمر، وأن المجتمعات في الفاشر وجبال النوبة بكردفان الجنوبي تواصل مواجهة خطر المجاعة.
ينبغي على مجلس الأمن أن يقيم مدى تعزيز الأمم المتحدة لحماية المدنيين منذ تقرير الأمين العام أنطونيو غوتيريش في أكتوبر 2024. ويجب أن يشمل هذا التقييم إحاطة علنية للمجلس من بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمبعوثين الخاصين المعنيين بمنع الإبادة الجماعية، حول الانتهاكات المستمرة ضد المدنيين، وذلك قبيل الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
ومن المتوقع أن يقرر المجلس في 12 سبتمبر بشأن تجديد حظر السلاح؛ وينبغي أن يجدد نظام العقوبات المفروض على السودان ويوسع قيوده من إقليم دارفور ليشمل كامل السودان، وأن يحاسب المنتهكين، بحسب هيومن رايتس ووتش. كما يجب أن ينظر أعضاء المجلس في مدى قيام الأطراف المتحاربة والحكومات التي تدعمها وتسلحها بإحباط جهود الأمم المتحدة لإيصال المساعدات وحماية المدنيين. كما ينبغي إعادة النظر في فكرة نشر بعثة لحماية المدنيين في السودان، وهي خطوة طال انتظارها لكن الأمين العام غوتيريش ظل يرفض دعمها.
وقالت بادر: “لأكثر من عام، يواجه المدنيون في شمال دارفور المجاعة والهجمات المتعمدة، بينما يتصاعد العنف في إقليم كردفان. ومع استمرار الأطراف المتحاربة في انتهاك القانون الدولي، يجب على أعضاء مجلس الأمن الالتزام بتدابير ملموسة ومحددة زمنياً، بما في ذلك العقوبات المستهدِفة والتحرك المشترك ضد من ينتهكون حظر السلاح المفروض على دارفور.”