فرية الكيماوي في السودان غياب الدليل المادي وسقوط الرواية أمام شهادات الواقع الميداني
فرية استخدام الجيش لـ (الكيماوي) (فرفرة مذبوح) لم تتجاوز قنوات كفيل المليشيا والحسابات الوهمية في منصات التواصل.
اتهام جيش نظامي في حرب بهذا الحجم استناداً إلى مقاطع فيديو من خصمه يستحق وقفة نقدية قبل التسليم به.
عملية خلط الألوان بالذكاء الاصطناعي إدعاءات باطلة يرفضها مواطن الخرطوم قبل الجيش
غاز الكلور.. تضليل إعلامي من عناصر المليشيا في (تأسيس) و(صمود).
مسؤولون مجهولو الهوية هم دليل الإعلام الغربي والمليشي على استخدام الكيماوي .
سردية استخدام الكيماوي لايمكن فصلها عن تصدع وهزائم مليشيا الدعم السريع .
شهود عيان: لم نر أي أثر للكيماوي في الخرطوم
تكرار هذه الاتهامات الجزافية لن يغير من حقيقة المشهد، بل يؤكد حجم الأزمة التي تعيشها الميليشيا.
في ظل التصعيد الإعلامي الممنهج الذي تقوده ميليشيات آل دقلو الإرهابية وحلفائها، والجهات الراعية والممولة لها، تتكاثر المزاعم والادعاءات الباطلة التي تسعى إلى تشويه صورة القوات المسلحة السودانية، عبر الترويج لاستخدام أسلحة كيميائية في العاصمة الخرطوم (غاز الكلور السائل). وهي ادعاءات تفتقر إلى أي سند مهني أو دليل موثوق، وتندرج ضمن حملات التضليل التي درجت عليها هذه الميليشيات ودولة الإمارات والجناح السياسي للمليشيا من قيادات مايسمى بـ(تأسيس) أو (صمود) أو غيرها، في محاولات يائسة لقلب الحقائق وتزييف الواقع عبر منصات إعلامية مختلفة أبرزها قناة اسكاي نيوز الإماراتية بجانب حسابات وهمية مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي ومحللين وخبراء محسوبين على المليشيا وابوظبي في قنوات موالية للإمارات ومليشيا الدعم السريع.
إن هذه السردية المختلقة لا يمكن فصلها عن السياق الميداني الذي تعيشه الميليشيات، بعد الهزائم المتتالية التي منيت بها في الخرطوم وولايات الوسط، حيث نجحت القوات المسلحة في استعادة زمام المبادرة وتطهير مساحات واسعة من التمركزات المسلحة.
وقد تكبدت الميليشيات خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، شملت تدمير آليات ثقيلة ومخازن إمداد، نتيجة لعمليات عسكرية دقيقة ومنظمة نفذها الجيش باحترافية عالية.
ويقول الخبير الإداري والمحلل السياسي الأستاذ وائل عبدالخالق مالك، لـ(الحقيقة) إنه ومنذ يناير 2025 تتصاعد الاتهامات الموجّهة للقوات المسلحة السودانية باستخدام غاز الكلور في معاركها ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة. لكن المتأمل في هذه الاتهامات يجد أن كثيراً منها يقوم على أرضية هشة لا تصمد أمام معايير التحقيق الأساسية.
وأنه حتى الاتهامات المرسلة من الخارج سواء من الخارجية الأمريكية أو غيرها لم تنشر دليلا ماديا واحدا على تلك المزاعم وحتى الخارجية الأمريكية كان مصدرها الوحيد أربعة مسؤولين مجهولي الهوية نقلت عنهم نيويورك تايمز. أما الأدلة المرئية التي استندت إليها قناة فرانس 24 فمصدرها الأصلي حسابات موالية للدعم السريع على منصات التواصل وهو طرف مباشر في النزاع وله مصلحة واضحة في تأجيج الرأي الدولي ضد الجيش السوداني.
ويضيف وائل: الأهم من ذلك أن المادة المشار إليها وهي غاز الكلور لا تعتبر سلاحاً كيميائياً بالمعنى الدقيق بل هي مادة صناعية تستخدم أصلاً في معالجة مياه الشرب. وقد أقر الخبير الكيميائي دان كاسيتا الذي استشارته فرانس 24 بأن إثبات القتل بهذه المادة حين يتم اطلاقها في الهواء الطلق أمر بالغ الصعوبة.
في المقابل يواجه الجيش السوداني هذه الاتهامات بينما يخوض حرباً دفاعية ضد مليشيا متمردة موثقة دولياً بجرائم إبادة جماعية في دارفور وعمليات تهجير قسري طالت الملايين واستهداف ممنهج للمدنيين. فضلاً عن ذلك فرضت الولايات المتحدة في الشهر ذاته عقوبات على رموز الدعم السريع بتهم موازية.
ويقول وائل مالك، إن الصورة أعقد مما تقدمه الرواية السائدة. واتهام جيش نظامي في حرب بهذا الحجم استناداً إلى مقاطع من طرف خصمه يستحق من الحقوقيين والباحثين عن الحقيقة وقفة نقدية قبل التسليم به.
لا شك أن هنالك دوافع سياسية وإعلامية تهدف للضغط الدولي وإثارة ملف السلاح الكيميائي لدفع المجتمع الدولي للتدخل أو فرض رقابة دولية وعقوبات على القوات المسلحة، ولكن عمليا يظل حائط الصد الأول لهذه الفرية هو المواطن إذ أن الحياة تعود لطبيعتها دون اي شكاوى من مايثار في الإعلام المعادي وخير دليل على ذلك عودة الآلاف يوميا للخرطوم عبر رحلات العودة الطوعية من مصر ويوغندا وغيرها من الملاجئ وأراضي ومعسكرات النزوح.
في السياق يقول الصحفي والباحث السياسي السوداني، الأستاذ خالد الفكي، لـ(الحقيقة) إن حالة التشتت والانهيار الداخلي باتت سمة واضحة داخل صفوف الميليشيات، مع تزايد حالات الانسلاخ والانشقاق في قياداتها، وانضمام عدد من عناصرها إلى صفوف القوات المسلحة، الأمر الذي يعكس فقدانها للتماسك القيادي والروحي. هذا الواقع الميداني المتدهور دفع أبواقها الإعلامية إلى تصعيد خطابها الدعائي، في محاولة بائسة لصرف الأنظار عن إخفاقاتها.
ويضيف أن القوات المسلحة السودانية، بما عُرف عنها من التزام وطني وأخلاقي، تواصل أداء واجبها في حماية البلاد وصون سيادتها، وفق القوانين والأعراف الدولية. وعليه، فإن تكرار هذه الاتهامات الجزافية لن يغير من حقيقة المشهد، بل يؤكد حجم الأزمة التي تعيشها الميليشيات، وعجزها عن مواجهة الحقائق على الأرض، فلجأت إلى صناعة الأكاذيب وترويجها في فضاء إعلامي مأزوم.
ويقول الباحث السياسي خالد الفكي “بوصفي شاهد عيان عايش تفاصيل الحياة اليومية خلال فترة الحرب، أؤكد بصورة قاطعة عدم وجود أي استخدام لأسلحة كيميائية من قبل القوات المسلحة، خلافاً لما تروّج له الميليشيات وأبواقها الإعلامية”. لقد ظلّت مصادر المياه التي نعتمد عليها في الشرب والاستخدام اليومي سليمة ونقية، ولم نلحظ أي تغيّر في اللون أو الطعم أو الرائحة، وهي مؤشرات أولية معروفة لأي تلوث كيميائي محتمل.
ويضيف الفكي، لـ(الحقيقة) أن الأوضاع الصحية العامة بين المواطنين لم تُظهر أي أعراض جماعية أو حالات مرضية غير مألوفة يمكن ربطها بمواد كيميائية. الحياة تسير في مجملها بصورة طبيعية، رغم قسوة الظروف الاقتصادية، دون وجود دلائل ميدانية على تلوث بيئي أو استخدام محظور للأسلحة. ويزيد بقوله إن هذه المزاعم تفتقر إلى الأدلة الواقعية، وتندرج ضمن حملات التضليل الإعلامي التي تستهدف تشويه الحقائق وبث الذعر وسط المواطنين، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى المعلومات الدقيقة والموثوقة.
ويقول الأمين العام لتحالف القوى السياسية والمدنية ولجان المقاومة بشرق السودان، الأستاذ سيف الدين محمد أحمد أبونورة، لـ(الحقيقة) إن ما راج عن استخدام أسلحة كيميائية او سامة لا يعدو كونه شائعات ودعاية سياسية مضادة لملامح الاستقرار وتطبيع الحياة في الخرطوم، إيمانا من المليشيا وداعميها بأن الخرطوم ستكون منصة الانطلاق لتحرير كل أراضي السودان.
ويضيف سيف الدين، بقوله بأن عملية خلط الألوان بالذكاء الاصطناعي وتلوين برك المياه بهذه الأصباغ وبثها في الوسائط عملية ساذجة لا تمنع عودة النازحين ولا اللاجئين إلى الخرطوم.
ويشير إلى أن كل الدوائر الحكومية باشرت مهامها من الخرطوم، وأن التنظيمات السياسية عادت لإزالة الركام عن دورها ومقارها واستئناف نشاطها.
ويؤكد أبونورة لـ(الحقيقة) أنه ومنذ العودة للخرطوم لم تسجل حالة اشتباه بحدوث تسمم بسبب شرب مياه أو تناول طعام أو عن طريق التنفس وأن الخرطوم خالية من أي حالات او اشتباه في حالات تستوجب التحقيق في استخدام أسلحة كيميائية، وأنه لا توجد سوى الأمراض المعروفة الأسباب والعلاج.
لا شك ان الربط بين الجيش السوداني واستخدام أسلحة محرّمة دولياً، عبر الطرق المتكرر في التقارير الإعلامية يهدف لإضعاف شرعية الجيش داخلياً وخارجياً، وإثارة الخوف بين السكان وداخل القوات نفسها لخفض الروح المعنوية، ولكن هذه الأهداف لم تتحقق لأن الحقائق على الأرض تدحض ذلك مايجعل أمر إحداث خلل داخلي مستحيلا لذلك تلجأ المليشيا بأذرعها المختلفة لبث هذه الاتهامات والإدعاءات في المنصات والنوافذ العالمية.