توثيقات الحقيقة. ..سلسلة معركة الوعي (1)…حرب السودان عدوانٌ خارجي بأدواتٍ داخلية.. وليست “حرباً أهلية”

0

 

صناعة الزيف وتزييف الوعي

​منذ اندلاع شرارة الأحداث في 15 أبريل 2023، انطلقت بالتوازي مع المدافع حربٌ أخرى لا تقل شراسة؛ حربٌ تقودها غرف إعلامية ومطابخ سياسية ممولة، تهدف بالدرجة الأولى إلى تزييف وعي الرأي العام الإقليمي والدولي، وتصوير المأساة السودانية على أنها “حرب أهلية” أو صراع “جنرال ضد جنرال”.
​إلا أن القراءة الفاحصة لطبقات الصراع، والمدعومة بالتقارير الاستخباراتية والأممية والتحقيقات الصحفية العالمية، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً فالسودان لا يمر بحرب أهلية، بل يواجه حرب عدوان خارجي ممنهج، تُنفذه ميليشيا الدعم السريع المتمردة كأداة محلية لتحقيق أطماع قوى إقليمية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة.

*​أولاً: لماذا ليست “حرباً أهلية”؟*
​الحرب الأهلية في العرف السياسي والعسكري تقوم على صراع بين مكونات مجتمعية أو عرقية تنقسم عمودياً، ويتحارب فيها المواطنون ضد بعضهم البعض بناءً على هوياتهم. أما في السودان، فإن المشهد مغاير تماماً:

▪︎ ​اصطفاف وطني خلف المؤسسة العسكرية: يتجلى بوضوح التلاحم الكامل بين الشعب السوداني بكافة أطيافه وقبائله وبين القوات المسلحة السودانية باعتبارها صمام أمان الدولة ورمز سيادتها.

*​عزلة الميليشيا المتمردة:*
لا تحظى ميليشيا الدعم السريع بأي غطاء شعبي أو سياسي حقيقي داخل السودان، بل تُعامل كعصابة عابرة للحدود مارست أبشع الجرائم بحق المدنيين دون تمييز عِرقي أو جغرافي.

*​طبيعة الصراع*:
هو صراع بين دولة شرعية بمؤسساتها الدستورية والتاريخية، وبين جماعة مسلحة تمردت للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح لصالح أجندات لا تخدم المواطن السوداني في شيء.

*​ثانياً: سجل الجرائم.. دحر فكرة “قوات التحرير” المزعومة*:
​حاولت الآلة الإعلامية الموجهة تصوير الميليشيا المتمردة كحركة تسعى “لجلب الديمقراطية”، لكن سلوكها على الأرض أسقط هذا القناع مبكراً:
▪︎ ​احتلال الأعيان المدنية: تحويل منازل المواطنين، المستشفيات، والجامعات إلى ثكنات عسكرية ومراكز عمليات.

▪︎ ​التهجير القسري والقتل والسحل: تهجير الملايين من منازلهم في الخرطوم، والجزيرة، وولايات دارفور وكردفان.

▪︎ *​التطهير العرقي:* كما حدث في “الجنينة” بغرب دارفور وضد إثنية المساليت، وهي الجرائم التي وصفتها المنظمات الدولية بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
​العنف الممنهج: استخدام
▪︎ الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب لكسر إرادة المجتمع السوداني.

*​ثالثاً: المال والعتاد.. التمويل والدعم الإماراتي في ميزان التقارير الدولية*:
​لم يعد الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع مجرد “اتهامات سياسية”، بل تحول إلى حقيقة مثبتة وثقتها كبرى المؤسسات الدولية والوكالات العالمية:
​1. تقرير خبراء الأمم المتحدة (مجلس الأمن)
​أكد التقرير السري الذي قُدم لمجلس الأمن الدولي (والذي كشفت عنه وكالات الأنباء العالمية مثل “رويترز”) وجود أدلة دامغة على قيام الإمارات بشحن أسلحة ومعدات عسكرية بانتظام إلى ميليشيا الدعم السريع عبر شبكات تهريب معقدة، مشيراً إلى أن هذا الدعم ساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية.
​2. التحقيقات الصحفية العالمية (نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال)
​نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تحقيقاً موسعاً كشفت فيه عن إدارة الإمارات لعملية سرية لإنقاذ ودعم الميليشيا تحت غطاء “مستشفى ميداني” ومساعدات إنسانية في منطقة أم جرس بتشاد.
​أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” العثور على أسلحة وذخائر في شحنات إماراتية كان من المفترض أن تحمل مواد إغاثية، مبيّنة حجم الإمداد اللوجستي الذي يتضمن طائرات مسيرة وأجهزة اتصال متطورة.
​3. تقارير المنظمات الحقوقية (Human Rights Watch & Amnesty)
​أشارت هذه المنظمات إلى أن الأسلحة الحديثة المستخدمة في تدمير المدن السودانية وتصفية المدنيين هي أسلحة ذات منشأ وإمداد إماراتي، مما يضع أبوظبي في مواجهة طائلة المسؤولية القانونية والجنائية الدولية.

*​رابعاً: ممرات العدوان اللوجستية وتدفقات السلاح عبر الحدود*:
​تُدار حرب العدوان على السودان عبر شبكة إقليمية معقدة وظفتها القوة المموِّلة لضمان استمرار تدفق السلاح والمجندين المرتزقة، وقد تم توثيق هذه المسارات عبر ثلاثة
*محاور رئيسية:*
▪︎ *​المحور التشادي (أم جرس / إنجمينا):*
يُمثل هذا المحور الممر الرئيس والأخطر لإمدادات السلاح الثقيل والذخائر؛ حيث تحول مطار “أم جرس” بتواطؤ واضح إلى قاعدة إمداد عسكري وعملياتي إماراتية مباشرة لصالح الميليشيا المتمردة في دارفور، وجرى ذلك بالكامل تحت لافتة مضللة للعمل الإنساني والمساعدات الطبية.

*​المحور الليبي (مناطق سيطرة حفتر):*
شكلت مناطق شرق وجنوب ليبيا ممرات آمنة وقنوات خلفية لتهريب الوقود، السلاح، والسيارات القتالية ذات الدفع الرباعي. وجرى هذا الدعم بإشراف وتنسيق مباشر من قوى إقليمية لضمان استمرار التدفق العسكري للميليشيا عبر الحدود الشمالية الغربية للسودان.

*المحور الإثيوبي (منصة الطيران المسير ومعسكرات التدريب السرية):*
شهد هذا المحور تطوراً خطيراً وثقته وكالة “رويترز” في تحقيق استقصائي موسع مدعوم بشهادات استخباراتية وصور الأقمار الصناعية. وكشف التحقيق عن وجود معسكر عسكري سري في منطقة “بني شنقول-قمز” الحدودية لتدريب آلاف المقاتلين لصالح الميليشيا بتمويل إماراتي مباشر. والأخطر من ذلك، أكدت التقارير والتحقيقات الدولية تحديث وتطوير مطار “أصوصا” ومطار “بحر دار” الإثيوبيين وبناء مراكز تحكم أرضية متطورة لتحويلهما إلى منصات عسكرية متقدمة لإطلاق وتوجيه الطائرات المسيرة التي استخدمتها الميليشيا في قصف الأعيان المدنية والمطارات داخل السودان.

*​خاتمة…. الوعي الوطني هو السلاح الحاسم*:
​إن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن معركة الخنادق والميدان.
و إن تفكيك رواية “الحرب الأهلية” وإبراز حقيقة “حرب العدوان الخارجي” ليس مجرد دفاع سياسي، بل هو واجب وطني وأخلاقي لكشف المؤامرة التي تستهدف تفكيك الدولة السودانية، وتشريد شعبها، ونهب مواردها (من ذهب وموانئ ومساحات زراعية) لصالح عواصم إقليمية طامعة.

و​إن صمود الشعب السوداني وتلاحمه مع قواته المسلحة، مدعوماً بالحقائق الموثقة دولياً، هو الصخرة التي ستتحطم عليها أوهام الميليشيا المتمردة ورعاتها في الإقليم. ونصر السودان يبدأ أولاً بوعي شعبه بحقيقة المعركة وأبعادها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.